العيني
252
عمدة القاري
والبخاري على عادته يحيل على أطراف الحديث في التبويب . بيانه ما في ( الموطآت ) للدارقطني من رواية عثمان بن عمر عن مالك عن عبد الله عن عباد عن أبي بشير الساعدي ، وفيه : ولا جرس في عنق بعير إلاَّ قطع . قلت : رد الوجه الأول ليس له وجه ، لأن الذي رواه البخاري من رواية عبد الله بن يوسف عن مالك ليس فيه ذكر الجرس ، وإنما ذكره في الطريق الذي رواه عثمان بن عمر عن مالك ، وما قيل في وجه المطابقة بقول الخطابي أوجه ، لأن الجرس لا يعلق في أعناق الإبل إلاَّ بعلاقة ، وهي الوتر ونحوه ، فذكر البخاري الجرس الذي يعلق بالقلادة ، فإذا ورد النهي عن تعليق القلائد في أعناق الإبل يدخل فيه النهي عن الجرس بالضرورة ، والأصل هو النهي عن الجرس ، ألا ترى أنه ورد : أن الملائكة لا تصحب رفقة فيها جرس ؟ ولأنه يشبه الناقوس . ذكر رجاله وهم خمسة : الأول : عبد الله بن يوسف أبو محمد التنيسي ، أصله من دمشق . الثاني : مالك بن أنس . الثالث : عبد الله ابن أبي بكر بن محمد بن عمر بن حزم . الرابع : عباد ، بتشديد الباء الموحدة ابن تميم الأنصاري ، مر في الوضوء . الخامس : أبو بشير ، بفتح الباء الموحدة وكسر الشين المعجمة : الأنصاري ، وذكره الحاكم أبو أحمد فيمن لا يعرف اسمه ، وقيل : اسمه قيس بن عبد الحرير تصغير حرير بالحاء المهملة وبالراءين المهملتين ، مات بعد الحرة ، وهو من المعمرين . وقال الذهبي : أبو بشير الأنصاري المازني ، وقيل : الساعدي ، شهد بيعة الرضوان ، وقال أبو عمر : أبو بشير الأنصاري قيل : المازني الأنصاري ، وقيل : الساعدي الأنصاري ، وقيل : الأنصاري الحارثي ، لا يوقف له على اسم صحيح ولا سماه من يوثق به ويعتمد عليه ، وقد قيل : اسمه قيس بن عبيد من بني النجار ، ولا يصح . والله أعلم . وقيل : مات سنة أربعين ، والأصح أنه مات بعد الحرة . ذكر لطائف إسناده فيه : التحديث بصيغة الجمع في موضع ، وبصيغة الإخبار كذلك في موضع وبصيغة الإفراد في موضع . وفيه : العنعنة في موضع . وفيه : ثلاثة مدنيون : مالك وشيخه وشيخ شيخه ، وثلاثة أنصاريون وهم : عبد الله وعباد وأبو بشر . وفيه : تابعيان . وهما : عبد الله وعباد . وفيه : أنه ليس لأبي بشير في البخاري غير هذا الحديث الواحد . ذكر من أخرجه غيره : أخرجه مسلم في اللباس عن يحيى بن يحيى . وأخرجه أبو داود في الجهاد عن القعنبي . وأخرجه النسائي في السير عن قتيبة عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عباد بن تميم عن رجل من الأنصار به ، ولم يقل عن أبي بشير . ذكر معناه : قوله : ( في بعض أسفاره ) ، لم يعينه أحد من الشراح . قوله : ( قال عبد الله ) ، هو عبد الله بن أبي بكر ، الراوي ، وكأنه شك في قوله : ( أنه ) قال : فلأجل هذا قال : حسبت . قوله : ( فأرسل رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ) قال ابن عبد البر ، في رواية روح بن عبادة عن مالك : أرسل مولاه زيداً . قال ابن عبد البر : هو زيد بن حارثة . قوله : ( قلادة من وتر أو قلادة ) ، كذا وقع هنا بكلمة : أو ، للشك أو للتنويع ، ووقع في رواية أبي داود عن القعنبي بلفظ : ( ولا قلادة ) ، وهو من عطف العام على الخاص ، قوله : ( وتر ) ، بالتاء المثناة من فوق في جميع الروايات ، وقال ابن الجوزي : ربما صحف من لا علم له بالحديث فقال : وبر ، بالباء الموحدة ، وحكى ابن التين عن الداودي أنه جزم بذلك ، وقال : وهو ما ينزع من الجمال يشبه الصوف . قال ابن التين : فصحف . وقال ابن الجوزي : وفي المراد بالأوتار ثلاثة أقوال : أحدها : أنهم كانوا يقلدون الإبل أوتار القسي لئلا تصيبها العين بزعمهم ، فأمروا بقطعها إعلاماً بأن الأوتار لا ترد من أمر الله تعالى شيئاً . الثاني : لئلا تختنق الدابة بها عند الركض ، ويحكى ذلك عن محمد بن الحسن من أصحابنا ، وعن أبي عبيد ما يرجحه فإنه قال : نهى عن ذلك لأن الدواب تتأذى بذلك ويضيق عليها نفسها ورعيها ، وربما تعلقت بشجرة فاختنقت أو تعوقت عن السير . الثالث : أنهم كانوا يعلقون فيها الأجراس ، ويدل عليه تبويب البخاري كما ذكرناه ، وقد حمل النضر بن شميل الأوتار في هذا الحديث على معنى : التار ، فقال : معناه لا تطلبوا بها دخول الجاهلية . قال القرطبي : وهذا تأويل بعيد . وقال النووي : ضعيف ومال وكيع إلى قول النضر ، فقال : المعنى لا تركبوا الخيل في الفتن فإن من ركبها لم يسلم أن يتعلق به وتر يطلب به . فإن قلت : الكراهة في الجرس لماذا ؟ قلت : لما رواه مسلم من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه